الشرق الأوسط بين نارين: حين يصبح توازن الخسارة فرصة للنجاة

هذه الزاوية تعبّر عن رأي صاحبها، وتندرج في إطار النقاش السياسي حول التطورات الإقليمية، ولا تمثل بالضرورة موقف هيئة التحرير.
يئنّ الشرق الأوسط اليوم تحت وطأة صراعٍ لا يعرف منتصرًا. حربٌ تتشابك فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية بين إيران من جهة، وإسرائيل بدعمٍ من الولايات المتحدة من جهةٍ أخرى. ما يجري ليس حربًا تقليدية يمكن قياسها بخسائر وأراضٍ محتلة، بل هو صراعٌ متشعّب ومتعدد الساحات، حيث تحمل كل ضربة عسكرية تبعاتٍ اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل وثقافية أيضًا، تتحملها شعوب المنطقة بعيدًا عن أي مكاسب حقيقية لها.

بقلم: أحمد المسالمة – صحفي ومحلل سياسي

تستهدف إيران، من خلال سياساتها التصعيدية، دول الخليج وقواعد الولايات المتحدة في محاولة لإثبات نفوذها الإقليمي، مدفوعةً بطموحات توسعية ضيقة الأفق. فكل صاروخ يُطلق، وكل موقع يُستهدف، يُسجَّل في النهاية على حساب المدنيين، وعلى استقرار الاقتصادات، وعلى الأمن النفسي والاجتماعي لشعوب الخليج وبلاد الشام.
أما إسرائيل، فهي تمارس تفوقها العسكري باعتباره واقعًا مفروضًا، وتترك خلفها ساحاتٍ مثقلةً بالدمار والغضب الشعبي والمخاطر الأمنية الممتدة. كلا الطرفين يلعب بالنار، بينما الضحايا الحقيقيون هم المواطنون العاديون الذين يعيشون يوميًا في خوفٍ دائم من الانفجار التالي.
اقتصاديًا، تعيش المنطقة استنزافًا صامتًا؛ فأسعار النفط تتقلب مع كل تهديدٍ لممرات الملاحة، والاستثمارات تتراجع، وكلفة التأمين على الشحن البحري ترتفع، ما يضاعف أعباء المعيشة على الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى. أما الشباب، الذين يتطلعون إلى أفقٍ اقتصادي مستقر، فيواجهون بطالة متزايدة وغلاءً متصاعدًا في المعيشة وتراجعًا في الفرص.
عسكريًا، تحولت المنطقة إلى ساحة توتر دائم، يتصاعد فيها سباق التسلح، وتتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات ضغط يومية. أي خطأ تكتيكي قد يشعل مواجهةً واسعة لا تُحمد عقباها، فيما يبقى المواطن محاصرًا داخل دائرة الخطر دون قدرة حقيقية على التأثير في مسار الأحداث.
سياسيًا، أعاد الصراع رسم ملامح التحالفات. بعض الدول تسعى إلى مظلات أمنية عبر واشنطن، وأخرى تحاول انتهاج سياسة التوازن الحذر. غير أن الشعوب تدرك أن أي “انتصار” لأي من الطرفين قد يعني فرض وقائع جديدة بالقوة، تخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما تخدم تطلعاتها.
من هنا ينبع الأمل الوحيد لدى كثيرين: خسارة الطرفين معًا. فالمواطن العربي في الخليج وبلاد الشام يدرك أن تفوق إيران أو إسرائيل لن يقود إلا إلى مزيد من الاستنزاف والتوتر. أما الخسارة المتبادلة، فقد تفرض توازنًا يمنع الهيمنة المطلقة، ويفتح نافذة لإعادة بناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
أهداف إيران في استهداف دول الخليج والقواعد الأمريكية تبدو مرتبطة برفع كلفة الدعم الأمريكي لإسرائيل، غير أن الثمن يُدفع إقليميًا. وإسرائيل، بدورها، تسعى إلى تثبيت دورها كقوةٍ مهيمنة في الإقليم، إلا أن أي تفوق مطلق لها سيُبقي المنطقة في حالة غليان دائم.
الدرس الأهم أن شعوب المنطقة باتت أكثر وعيًا بطبيعة هذا الصراع؛ فهي تعلم أن الاستقرار لا يُمنح من الخارج، بل يُبنى داخليًا. وفي هذا السياق، قد لا تكون الخسارة المشتركة هزيمة بقدر ما تكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز مساحة الفعل المدني، والمطالبة بسلامٍ حقيقي وتنميةٍ مستدامة.
في واقعٍ كهذا، قد يتحول غياب المنتصر إلى فرصةٍ حقيقية للشعوب كي تستعيد زمام المبادرة. فحين يتعادل ميزان القوة، تتسع مساحة السياسة، ويصبح الأمل ممكنًا في شرقٍ أوسطٍ أقل صخبًا وأكثر استقرارًا.